تخطي للذهاب إلى المحتوى

النعمة في أيام العتمة

كلمات من عمق الاختبار
17 سبتمبر 2025 بواسطة
النعمة في أيام العتمة
محب توما
لا توجد تعليقات بعد

هناك لحظات في الحياة لا تُكتب في المذكرات، ولا تُروى حتى للأقربين. لحظات نُغلِق فيها الأبواب، ليس فقط على العالم من حولنا، بل على أنفسنا. نُخفي وجعًا لا يفهمه أحد، وتصبح الدموع لغتنا الوحيدة.

في مثل هذه الأوقات، نميل إلى أن نسأل: «أين أنت يا رب؟ هل نسيتني؟»

ولك أن تعلم، أن هذه ليست أسئلة ضعف أو شك، بل هي صرخات قلب صادق، جُرح من ثقل الطريق. أسئلة مثل هذه، ملأت صفحات المزامير، وترددت من أفواه أنبياء وقديسين. داود نفسه، الذي وصفه الرب بأنه -رجل حسب قلبي - قال في ضيقه: 

«إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟» (المزامير ١٣: ١)

لكن وسط هذا الظلام، حيث لا نرى أمامنا خطوة واحدة، هناك نور لا يُرى بالعين المجردة، بل يُلمس بالإيمان. هذا النور اسمه: «النعمة».

ما هي النعمة؟

النعمة، ليست مجرد مصطلح لاهوتي نردده في عظاتنا، ولا مجرد فكرة جميلة نخطها في البطاقات. النعمة هي قلب الله المنحني نحو الإنسان في أضعف حالاته.

ليست النعمة مكافأة للصالحين، بل هي رجاء للمنكسرين. ليست النعمة مخرجًا من المعاناة، بل قوة تحمّل وسطها. ليست النعمة مجرد إعلان غفران، بل يد تُمسك بك حين تعجز حتى عن الوقوف.

حين يصمت الله

ربما أصعب تجربة يمر بها المؤمن ليست التجربة نفسها، بل صمت الله خلالها!!

نصلي، وننتظر، ونواصل الانتظار… ثم يبدو كأن السماء لا تُجيب. كأن الصمت يصرخ في وجهنا: «لقد تُركت وحدك».

لكني أكتب إليك اليوم، لا من برج التنظير، بل من أرض التجربة. من ليالٍ طويلة لم أذق فيها طعم النوم، ومن صلوات خرجت بلا كلمات، فقط أنين القلب. أعلم تمامًا كيف يبدو الطريق حين يصبح الصمت رفيقك الوحيد.

أنا لا أكتب إليك من برج عاجي، بل من نفس المسار الذي تعبره الآن. أعرف طعم الخسارة، وثقل الصمت، والرجاء الذي يتأخر. لكني أيضًا اختبرت هذا الهمس العجيب في الروح: «أنا معك. لا تخف».

إن النعمة لا تظهر فقط عندما تُحل المشاكل، بل في أعماق الليل، حين نتمسك بالله وهو الرجاء الوحيد. النعمة ليست رفاهية للناجحين، بل قوت للمنكسرين.

لكن في هذا الصمت، اختبرت شيئًا لم أكن أتوقعه. لم تكن هناك معجزات فورية، ولا أصوات من السماء، بل فقط إحساس عميق أن الله موجود، حتى حين لا يتكلم. 

«قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ». (المزامير ٣٤: ١٨)

صمت الله لا يعني غيابه. أحيانًا، يصمت الرب لأنه يعمل في العمق. يعمل في قلبك، في مشاعرك، في فهمك للحياة، وفي رؤيتك له.

النعمة وسط السقوط

أحد أعمق دروس النعمة، نجدها في قصة بطرس. هذا التلميذ الذي مشى على الماء، وشهد مجد المسيح، سقط في لحظة ضعف وأنكر سيده ثلاث مرات.

لكن ماذا كانت ردة فعل الرب، تجاه بطرس؟

هل واجهه بلوم؟ هل وبّخه أمام الآخرين؟ لا. بل أعد له فطورًا على الشاطئ، وسأله سؤالًا واحدًا فقط، تكرر ثلاث مرات: «أتحبني؟»

«فَبَعْدَ مَا تَغَدَّوْا قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَارَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ: «ارْعَ خِرَافِي».  قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ: «ارْعَ غَنَمِي».  قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟» فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: «يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «ارْعَ غَنَمِي. (يوحنا ٢١: ١٥-١٧).

كم نحتاج إلى هذه النعمة، حين نسقط، حين نخذل أنفسنا، حين نشعر أننا لا نستحق حتى أن نرفع رؤوسنا للصلاة.

لكن في كل مرة نسقط، هناك يد تمتد. في كل مرة نكسر العهد، هناك مائدة تُجهّز. في كل مرة نبتعد، هناك صوت همس يقول: 

«قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. اِرْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ». (إشعياء ٤٤: ٢٢).

حين لا يتغير شيء، الله لا يزال هو هو. أحيانًا نصلي ونصلي… ولا شيء يتغير. المرض ما زال موجودًا. المشكلة لا تزال قائمة. الباب ما زال مغلقًا. وقد نتساءل: «هل هذا هو الإيمان؟ هل هذه هي المكافأة لمن يتّقي الله؟». لكن الحقيقة الأعمق هي أن الإيمان لا يُقاس بنتائج الصلاة، بل بالثقة في مَن نُصلي له.

والنعمة لا تُظهر نفسها فقط في الأبواب المفتوحة، بل في القلب الذي يظل متمسكًا بالرب رغم كل شيء.

النعمة التي تغيّرنا… لا الظروف.

أحيانًا نظن أن الله يريد أن يُغيّر ظروفنا، لكنه بالحقيقة يريد أولًا أن يغيّرنا نحن. أن يُخرج من داخلنا إيمانًا نقيًا، مُصفّى من المظاهر، ومن التعلق بالأشياء. لهذا كتب بولس من السجن – وليس من راحة – هذه الكلمات العظيمة: 

«لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ». (فيلبي ٤: ١١). 

وهذا الاكتفاء لم يكن من الظروف، بل من النعمة.

كيف نعيش في النعمة؟

  1. اصرخ إليه من القلب – الله لا يبحث عن صيغ صحيحة بل عن قلب صادق.
  2. اقرأ كلمته لتسمعه – أحيانًا صمت الله لا يعني أنه لا يتكلم، بل أننا لا نفتح الكتاب لنسمعه. 
  3. ابقَ في حضوره حتى دون إجابات – البقاء مع الله هو الغاية، وليس فقط وسيلة للحلول.
  4. ثق أنه يعمل في الخفاء – هناك أمور يعدّها الله لك لا تراها اليوم، لكنك ستفهمها يومًا ما.
  5. قدّر قيمة الألم كأداة تشكيل – الرب لا يسمح بالألم عبثًا. هناك مجد ينتظر في الطرف الآخر.

صوت في العاصفة

يمكنك أن تتخيل هذه الصورة: يسوع في القارب، والتلاميذ خائفون، والريح عاصفة، والموج يضرب… لكن يسوع نائم. ليس لأنه لا يهتم، بل لأنه هو السيد على العاصفة. وفي الوقت المعيّن، قام وتدخل. 

«فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ! اِبْكَمْ!». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ.» (مرقس ٤: ٣٩)

وما حدث وقتها، سيحدث أيضًا في حياتك. ربما ليس الآن. لكن ثق: سيأتي اليوم الذي يُقال فيه للعاصفة: «اسكتي»، وستكتشف حينها، أن النعمة كانت هناك طوال الوقت… حتى حين لم ترَها.

النعمة لا تسألك: «ماذا فعلت؟»، بل تسألك: «هل ما زال قلبك لي؟»

هذه هي النعمة التي تُعيد تشكيل الفاشلين إلى خدام.

يا من تقرأ هذه الكلمات، قد لا أعرف ظروفك، لكني أعرف مَن يمشي معك في الطريق. لست وحدك. قد تكون الصلاة الأخيرة خرجت منك بأنين، لكن الرب سمعها. ربما لا تستطيع أن ترفع رأسك، لكن يكفي أن تهمس: «يا رب، أحتاجك.». إنّ هذا الصوت البسيط يزلزل السماء، لأن قلب الله قريب من المنكسرين.

أُشجعك اليوم ألا تبحث عن مخرج سريع، بل عن يد الله وسط الأزمة. النعمة لن تتركك حيث سقطت. هي تُنقذك، تُرممك، ثم تُعيدك لتخدم وتُحب وتُشفى.

لا تنسَ أبدًا: 

«فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ.» (٢ كورنثوس ١٢: ٩)

النعمة في أيام العتمة
محب توما 17 سبتمبر 2025
علامات التصنيف

الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً