أثناء ترديدي لرسالة رومية، استوقفتني مرة أخرى الآية الواردة في (رومية 8: 29). «لأنَّ الّذينَ سبَقَ فعَرَفَهُمْ سبَقَ فعَيَّنَهُمْ ليكونوا مُشابِهينَ صورَةَ ابنِهِ، ليكونَ هو بكرًا بَينَ إخوَةٍ كثيرينَ».
إنَّ قصد الله للمؤمنين، هو أن يكونوا مشابهين للمسيح. لقد ذكرت في مقالٍ سابق، أن المشابهة لا تكون فقط فردية، بل جماعية. فالكنيسة - بشكل جماعي - تشابه المسيح (أي مجموع صفات أعضاءها يمثِّل ويعكس صفات المسيح الأدبية)، فمن يرى جماعة المؤمنين يرى المسيح.
الآن أذكر الآية الكتابية التي جاءت في (غلاطية 4: 19) «يا أولادي الّذينَ أتَمَخَّضُ بكُمْ أيضًا إلَى أنْ يتصَوَّرَ المَسيحُ فيكُم».
يتكلم بولس هنا، عن هدفه هو وخدمته لأهل غلاطية، والذي يتماشى مع هدف الله نفسه للمؤمنين: «أن يتصور المسيح فيهم»!!
وما استوقفني هنا، ليس هدف الله فقط، بل أن إنسانًا يعمل على تشكيل إنسان آخر، ليصبح هذا الإنسان الآخر شبيه للمسيح.
لقد ائتمن الله إنسانًا، من لحمٍ ودمٍ، ليُشكِّل المسيح في الآخرين.
الله له دور بكل تأكيد، والخادم له دور. إن الفرد المؤمن له دور عظيم في هذه العملية.
إنني أشير هنا، إلى شرف المُهمّة وجسامتها. يا له من شرف لكل خادمٍ، أن يصنع – إذا جاز لي القول -مُسحاء من الأفراد، ومن الجماعة المحلية، مشابهين للمسيح.
لذلك، الاستنتاج المنطقي للفكرة السابقة أنّ مَن يعمل على تشكيل الأفراد ليشبهوا المسيح، عليه معرفة مَن هو المسيح، والتي تأتي منطقيًا بالشركة العميقة معه ومع كلمته. كذلك يجب أن يعرف مَن هو الفرد الإنساني، كيف يفكر، وما هو دور الله، ودور الإنسان في هذه العملية.
وبشكل عملي يمكن القول:
لكلمة الله أهمية أساسية في التغيير وعملية التشكيل. ويلزمنا الكثير لنتكلم عن أهمية الكلمة وضرورتها ومركزيتها للحياة المسيحية. فالله وضع في كلمته قوته للتغير والخلق. لذا، يجب على خادم المسيح أن يستخدمها بأمانة ومهارة.
المسيح هو كلمة الله - اللوغس - هو المنظم للكون وحافظه، وهو الإعلان عن الله الكامل، وفيه يحل كل ملئ اللاهوت جسديًا، وفيه قوة اللاهوت تحل. كذلك الكلمة المكتوبة تحمل أيضًا قوة الله. لهذا قال كاتب العبرانيين أنها خارقة إلى مفرق النفس والروح والمخاخ والمفاصل عبرانيين ٤ : ١٢.
كما حمل المسيح بالجسد حضور الله، هكذا أراد الله أن يجعل حضوره أيضًا في كلمته، من خلال القوالب اللغوية والكلمات والتي هي أنفاس الله، وهي قوة للحياة. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله (متى ٤:٤)، وكل كلمة من الله نقية.
يا له من امتياز أن تتواجد الكلمة في وسطنا. ولهذا وجب الالتصاق بها، دراستها، فهمها، حفظها، واللهج بها.
- أسألك يا خادم المسيح، لماذا لا تشجع الناس على قراءة الكلمة ودراستها والتعلّم منها؟
- لماذا تثرثر بكلماتك الخاصة ولا تستخدم الكلمة نفسها؟ كيف لخادم المسيح ألّا يشجّع شعب المسيح على الدراسة والقراءة، ويتيح لهم المصادر لذلك؟
مبارك حقًا من فعل ذلك ويفعل، وبئس الخادم الذي يجري إلى المنبر ليعظ بكلماته الشخصية، دون الاستناد على الكلمة نفسها، أو شرحها من مفسرين أكفاء.
- لماذا لا تتكلم بكلمة المسيح وتقدمها أيضًا بشكل يليق ويتناسب مع مجتمع أغلبيته مختلفة عنك فكريًا؟
- لماذا تثرثر بأفكارك وكلماتك التقنية التي لا يهتم بها، بل وقد لا يفهمها الكثير ممّن حولك؟
- لماذا لا تُعلّم من تخدمهم أن يسكنوا في الكلمة وتسكن فيهم كلمة المسيح بغنى (كولوسي ٣: ١٦) ويقدمونها بشكل يُفهَم من المجتمع المحيط!
يجب أن يؤخذ في الاعتبار أيضًا أهمية دور الكنيسة المحلية، لأنه من خلالها يتم تشكيل الأفراد كأعضاء معًا ليشبهوا المسيح كما ذكرنا سالفًا.
أصلّي أن ينجح الرب طريق خدام المسيح لفعل مشيئة الصالحة، وأن يقدموا كلمته الحيَّة للآخرين، فيتشكل المؤمنين وينضجوا، ليصبحوا مشابهين للمسيح.
لربنا يسوع كل المجد في الكنيسة إلى أبد الآبدين، آمين.