يجد القارئ للكتاب المقدس صعوبة في فهم بعض العبارات مثل «ندم الله» أو «تأسف الله» أو «رجع الله عن حمو غضبه»، وغيرها من العبارات الشبيهة، والتي قد يُفهَم منها أن الله يتغير، ولا سيما إذا تم فهم هذه العبارات بمقارنتها مع العبارات الإنسانية.
لذلك، لفهم هذا الأمر، علينا دراسته من عدة جوانب:
أولاً: المعنى اللاهوتي العام:
تعبير «تأسف الله» يُدرَج ضمن ما يسمى في اللاهوت بـ «التعبير الإنساني عن الله» Anthropopathism – أي وصف مشاعر الله بمفردات بشرية، حتى نفهمها نحن البشر.
هذا التعبير لا يجب أن يُفهَم كندم بشري، لأن الله كُلّي المعرفة. بل هو تعبير عن مشاعر الله الأخلاقية تجاه خطيَّة الإنسان، وهو ليس تغييرًا في فكره أو خطته الأزلية. فكلمة «تأسف» هنا لا تعني أن الله أخطأ أو تراجع، بل أن الشر الموجود في الإنسان يستحق القضاء، وهذا يعبّر عنه بحزن إلهي عادل.
فالله في قداسته يكره الشر، والتأسف هنا يظهر قداسة الله العادلة، بمشاعر مقدسة وطاهرة، وهي ليست كمشاعر البشر المتقلبة.
ويُستخدم هذا الأسلوب كثيرًا في العهد القديم مثل (غضب الله، عين الله، يدا الله، ...).
ثانيًا: مبدأ عدم تغيّر الله (Immutability of God):
من المبادئ اللاهوتية الأساسية أن الله لا يتغيّر:
«الله ليس إنسانًا فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم.» (عدد 23: 19)؛ «ليس عنده تغيير ولا ظل دوران» (يعقوب 1: 17)
إذًا، تأسف الله لا يُفهم على أنه تغيير في خطة الله الأزلية، بل هو إعلان في الزمن لرفضه للشر، وتحركه ضده بحسب قداسته.
ثالثًا: التفاعل الإلهي مع الإنسان:
الله يتفاعل في الزمان، رغم أنه فوق الزمان، بمعنى أن خطته تشمل استجابته لحرية الإنسان، لكن دون أن تتغير ذاته أو مقاصده.
حين يسقط الإنسان، يتجاوب الله بحزن وألم حقيقي (ولكن ليس ندامة بشرية)، لأن محبته ترفض الهلاك، وقداسته ترفض الفساد. وهذا يعكس أن الله مرتبط أخلاقيًا بما يحدث في العالم، ويتعامل معه بحسب عدله.
يجب التأكيد أيضًا، أن الإنسان مسؤول عن شره. فالله خلقه صالحًا، لكن الإنسان اختار الفساد
(تكوين 6: 5) «ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض...».
لذلك، «حزن الله» ليس لأن الخلق كان خطأ، بل لأن الإنسان أفسد قصد الله الصالح، والنتيجة كانت الدينونة بالطوفان.
إن الله ليس آلة قضائية باردة، بل هو إله حي، له قلب، يحب ويكره، يفرح ويتألم (بطريقة لائقة بلاهوته). هذا يظهر علاقة الله العميقة بالإنسان، حتى أن خطايا الإنسان تؤلمه.
الخلاصة:
«تأسف الله» لا يعني جهلاً سابقًا أو تغيرًا في الذات الإلهية، بل هو تعبير عن حزن الله المقدّس تجاه شر الإنسان، في إطار علاقته بالزمن، بحسب خطته الأزلية، التي ستبلغ ذروتها في الفداء الكامل بالمسيح يسوع. لذلك نرى هنا إدانة للفساد، لكن أيضًا إعلان لنعمة الله، لأنه وفّر الخلاص لنوح قديمًا، وهو الآن مقدَّم لجميع من يريد. آمين