«لُقْمَة خفيفة»، عبارة جميلة، بالعامية المصرية، وهي ترادف عبارة «كِسْرَة خُبْز». يستخدمها الناس، وهم يعرضون على ضيفهم، تناول الأكل عندهم. سنتكلم في هذا المقال عن شخص استخدم هذه العبارة مع ضيوفه، لكنها في الحقيقة لم تكن أبدًا «لُقْمَة خفيفة»، بل «وليمة كبيرة».
الكَرَم، هو أسمى الصفات التي يتحلى بها الإنسان، ويعني السخاء في العطاء دون انتظار مقابل، سواء كان هذا العطاء مالاً، طعامًا، وقتًا، مجهودًا، أو حتى ابتسامة. فالكَرَم هو نصف الغنى. والكرم الحقيقي لا يُقاس بما تعطيه بل بكيفية منحك إيّاه، فاليَد التي تعطي لا تخسر أبدًا.
تكلمنا في مقالٍ سابق، عن أشخاص أظهروا كَرَمًا غير معتاد، واستضافوا المسيح في بيوتهم. ربما لسماعهم عنه، أو محبة في تعاليمه، وهذا شيئًا رائعًا. لكننا في هذا المقال، أمام موقف فريد من نوعه. سنتكلم عن شخصية استضافت الرب - قبل تجسده (في إحدى ظهوراته في العهد القديم)، مع اثنين من الملائكة، دون أن تدري هذه الشخصية في البداية، مَن هؤلاء الرجال.
«لاَ تَنْسُوا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُون» (عبرانيين 13: 2).
فالحديث هنا عن إبراهيم، والحدث المشهور في (تكوين 18).
ذات يوم، كان إبراهيم جالسًا في باب خيمته وقت حر النهار، فإذ بثلاثة رجال غرباء، واقفون لديه، فلمَّا نَظَر ، ركض لاستقبالهم من باب الخيمة، وطلب منهم أن لا يعبروا من أمامه دون أن يكرمهم، ويغسل أرجلهم ويأتي إليهم بـ «كِسرة خبز»، قبل أن يواصلوا رحلتهم. لكن هل فعلاً قدَّم إبراهيم لهم «كِسرة خبز» كما قال؟
أعتقد أن إبراهيم لو كان قدَّم للغرباء كأس ماء بارد، وهم في صحراء حارقة، لكان هذا العمل يُعَد كرمًا ولُطفًا منه، والله لا يضيع أجره (متى 10: 42). لكن تأمل ماذا فعل إبراهيم مع الرجال الثلاثة، وهو لا يعرفهم مَن هم، ولا مِن أين أتوا، ولا إلى أين يذهبون.
قدَّم إبراهيم ليست «كِسْرَة خُبز» فحسب، بل صنع لهم «وليمة عظيمة». صنع لهم خبزًا فاخرًا طازجًا لهم، وذبح عجلاً، وأخذ زُبدًا ولَبَنًا، وقدَّم الكل لهم، في مكانٍ تحت شجرة، بعيد عن أشعة الشمس الحارقة، ووقف هو بنفسه ليخدم ضيوفه. وقبل ذلك، غسل أرجلهم من مَشقّة السفر في رمال الصحراء. كان من الممكن أن يوكِل أحد غلمانه بأن يقوم بذلك، فهو يملك من العبيد الكثير. لكنه فضَّل أن يقوم هو بواجب الضيافة، فالكَرَم ليس موقفًا عابرًا أو متغيرًا، على حسب أهمية وقدر الشخص، بل هو أسلوب حياة، مهما كانت طبيعة الأشخاص. فالكَرَم الحقيقي ليس في الجيب بل في القلب. فلا تنتظر أن تكون غنيًا، أو أن تكون الحياة مثالية، لتكون كريمًا، لكن ابدأ بما تملك، فالكرم شجرة جذورها في القلب وثمارها على الأيدي. لقد جاء الوقت ليحصد إبراهيم ما قدَّمه من كَرَم لأشخاص غرباء، والذين كانوا بالحقيقة: الرب واثنين من الملائكة. يا للعجب والدهشة! لقد كانت مكافأة إبراهيم عظيمة، لقد تم وعده بولادة إسحاق بعد سنة من هذه الزيارة. لكن أجمل ما في الأمر أن إبراهيم فعل هذا دون أن يعرف حقيقة الأشخاص، ولم يكن ينتظر مكافأة منهم.
في النهاية، الكَرَم ليس مجرد قصص أو عبارات نقرأ عنها، بل قيمة عظيمة، علينا أن نعيشها في سلوكنا اليومي، فكم من كلمة طيبة، وكم من وقت منحناه للغير، كانت له منفعةً لا تقدَّر بثمن. إن البيوت المفتوحة، والإضافة، ومساعدة الآخرين، هي من الفضائل التي يجب وجودها في المؤمنين والقادة، إنها التعبير العملي للمحبة الأخوية. قد لا يتسنّ لنا إضافة ملائكة في بيوتنا، لكن يمكن أن نستضيف أشخاصًا يُشكِّل وجودهم بركة لنا، ويكون لتأثيرهم التقويّ في بيوتنا نتائج تمتد حتى الأبدية!
آمين.