توجد في العهد الجديد سبعة شواهد كتابية يظهر فيها اصطلاح «المعمودية بالروح».
الأربعة الأولى من نبوات يوحنا المعمدان، ووَصْفه لخدمة الرب يسوع، قائلاً عنه:
«هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى 3: 11؛ مرقس 1: 8؛ لوقا 3: 16؛ يوحنا 1: 33)،
والشاهد الخامس اقتبسه الرب من نبوات يوحنا المعمدان، وأشار به إلى يوم الخمسين (أعمال 1: 5)، والشاهد السادس هو اقتباس بطرس للكلمات التي اقتبسها الرب يسوع من نبوة يوحنا المعمدان (أعمال 11: 16)، أمَّا الشاهد السابع والأخير - وهو الوحيد في الرسائل - موجود في (1 كورنثوس 12: 13).
معمودية الروح القدس والنار.
من خلال النصوص الكتابية السبعة السابقة، نجد التعبير المزدوج:
«وهو سيعمدكم بالروح القدس ونار» في مرتين (متى 3: 11؛ لوقا 3: 16).
وفي الخمس مرات الأخرى جاء التعبير المفرد: «وهو سيعمدكم بالروح القدس».
لكن، تُرى لماذا هذا الاختلاف؟
يوحنا المعمدان كان يوجِّه كلامه في متى ولوقا إلى جماعات مختلفة، البعض منهم جاء تائبًا، منتظر المَسيَّا، وبكل تواضع اعتمد بالماء. والبعض الآخر كان متكبر ومُرائي رفض المعمودية، أو أراد إجراءها بدون توبة. لذلك قال يوحنا المعمدان للفريقين: سواء اعتمدتم بواسطتي أو لم تعتمدوا، فستتعمدون جميعًا بواسطة الآتي (المسيح)، الذي هو أقوى مني. إما بواسطة معمودية الروح أو بالنار. إنه وحده الذي سيفصل بين أولئك التائبين الحقيقيين وغير الحقيقيين. فكل شجرة رديّة سوف تُقطَع وتُلقى في النار، وكل من لم يتب يُعمَّد بنار الدينونة. إن القمح سيُجمع إلى المخزن (هؤلاء هم الذين اعتمدوا بالروح القدس)، أما التبن فسوف يحرق بالنار، هذه هي معموديتهم بالدينونة.
أمَّا في الخمس مرات الأخرى، التي تتكلم عن معمودية الروح القدس، لم يضاف إليها كلمة «ونار»، وذلك لأن المخاطبة كانت لمؤمنين حقيقيين، لا علاقة لهم بالنار التي تخص الخطاة.
وبناء على هذا، نقول أنّ معمودية الروح القدس هي معمودية البركة، ومعمودية النار هي معمودية الدينونة. الأولى حدثت يوم الخمسين واختصت المؤمنين، الثانية تحدث في المستقبل، وسوف تصيب غير المؤمنين. في الأولى سكن الروح القدس في المؤمنين، وأعطاهم سلطانًا وقوة، وتكونت الكنيسة، أما الثانية فسيهلك فيها غير المؤمنين.
معمودية الروح القدس، ولماذا حدثت لاحقة للولادة الجديدة في سفر أعمال الرسل.
أولاً:
يجب ملاحظة أن معمودية الروح القدس، كانت إلى وقت تمجيد المسيح مستقبلة. فبعد صعوده، أرسل الروح القدس، الذي لم يكن مطلقًا إلى هذا التاريخ قد سكن على الأرض.
«...قَالَ هَذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ» (يوحنا 7: 39).
لقد تكلم الرب في ساعاته الأخيرة مع تلاميذه، عن إرسال المُعزِّي، وأوضح المباينة بين التدبيرين بقوله:
«لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ» (يوحنا 14: 17).
ثانيًا:
لنلاحظ أن الروح القدس لا يأتي لتطهير أو تحرير التلاميذ من الخطية - صحيح أنه سيسكن فيهم ويكرسهم للمسيح ويقويهم في حياة القداسة والشهادة لله - ولكن عمله الخاص هو أن يُعمِّد ويُتحِد كل المؤمنين إلى جسد المسيح الواحد. لقد أتى ليُكوِّن هذا الجسد، بعد أن ارتفع الرأس المُمجّد إلى السماء. إن عمل المخلص على الصليب هو التطهير من كل خطية، أمَّا عمل الروح القدس هو توحيد المؤمنين المُطهرين في جسد واحد، ويسوع المسيح هو رأس هذا الجسد.
ثالثًا:
إذ تكوَّن الجسد، فالمؤمنون الأفراد لا ينتظرون فيما بعد وعد الآب، ولا يتوقعون نزولاً جديدًا للروح القدس، ولكن عند إيمانهم يختموا بالروح القدس، وبذلك ينضمون إلى الجسد الواحد الموجود فعلاً.
في الأصحاحات الأولى من سفر أعمال الرسل - أي في فترة الانتفال من اليهودية إلى المسيحية، تُذكر أربعة مظاهر للروح القدس في تكوين هذا الجسد السرّي، وهي:
- في يوم الخمسين، في أعمال الرسل 2، نجد أن الأشخاص الذين كانوا في العلية وهم نحو 120 شخص، اعتمدوا إلى جسد واحد، كما أن أولئك الذين آمنوا واعتمدوا بالماء، بعد عظة بطرس الرسول، والذين بلغ عددهم نحو ثلاثة آلاف نفس، قبلوا نفس الروح، وبذلك ضمهم الرب إلى الكنيسة التي تكونت حديثًا (أعمال الرسل 2: 42 مع 47).
- في (أعمال 8: 15-17)، تخطّت كلمة الحياة حدود اليهود، ووصلت إلى السامريين، الذين اضطروا أن ينتظروا قليلاً، إلى أن يصل إليهم رسولين من أورشليم، قبل أن يُعطَوا الروح القدس، لكي لا يكون انشقاق في الجسد. فاليهود كانوا من فترات قديمة، لا يعاملون السامريين. فاليهود والسامريين كان لهما نظامان متناقضان، وكان لهما معابدهما الخاصة لمئات السنين، والخصام كان مُرًّا جدًا بينهما (أنظر يوحنا 19:4-22). لذا من السهل أن نرى حكمة الله في اتحاد المؤمنين من السامريين مع أولئك الذين من أورشليم بكيفية علنية. فلا يجب أن يكون جسدين منفصلين للمسيح، بل جسد واحد في وحدة كاملة. ولذلك وُجِدَت فترة بين ولادتهم ثانية، وحلول الروح القدس عليهم عند وضع أيدي الرسل.
- في (أعمال 10: 44-48)، تتسع دائرة النعمة لتفيض على الأمم أيضًا. فكرنيليوس، وهو رجل تقي، ومَن معه سمعوا كلمات بها خلصوا وتمتعوا بما للمسيحي الحقيقي من مقام سامٍ أمام الله، لذا وبينما كان بطرس يتكلم معهم، حل عليهم الروح القدس بقوة، كشهادة لبطرس ورفقائه، إذ سمعوهم يتكلمون بألسنة ويعظمون الله. وهنا يظهر أن الأمم متساوون مع اليهود في كل الامتيازات المسيحية. وقبلوا الروح القدس بنفس الطريقة التي قبل بها اليهود (أعمال 10: 47)، حتى لا يكون افتخار لليهود على الأمم، فيؤدي ذلك إلى انشقاق في كنيسة الله، بل ليكون إتحاد.
- في (أعمال 19: 1-7)، كان أبلوس يبشر في أفسس بمعمودية يوحنا، غير عارف بما في الإنجيل عن بشارة موت المسيح وقيامته، ونزول الروح القدس. كان يحمل لليهود المشتتين بين الأمم رسالة يوحنا المعمدان، لكن بعد أن علّمه أكيلا وبريسكلا قبِل الإعلان الإلهي الكامل عن المسيح، وذهب إلى كورنثوس. وذهب بعده بولس إلى أفسس فوجد بعض التلاميذ الذين لم يدركوا مقام المسيحي وسلوكه، ولهؤلاء قال بولس: «هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم؟»، قالوا: «ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس». ولأن المعمودية المسيحية هي «بٍاسم الآب والآبن والروح القدس»، لذلك سألهم بولس: «فبماذا اعتمدتم؟»، وهذا أظهر كل شيء، إذ أجابوا قائلين: «بمعمودية يوحنا»، وعند ذلك أوضح لهم الرسول بولس الحق المسيحي، واضعًا أمامهم المسيح، كمن سبق التنبؤ عنه بواسطة يوحنا، المسيح الذي أتى ومات وقام وأرسل الروح القدس من السماء، فقبلوا الرسالة بفرح واعتمدوا بِاسم الرب يسوع. ولما وضع الرسول يديه عليهم، قبلوا الروح القدس، وانضموا هم أيضًا إلى الجسد. وبذلك انتهت فترة الانتقال. وفي هذه الحادثة، نرى التأكيد على دعوة الرسول بولس، والسلطان المُعطى له، كما الرسول بطرس ويوحنا. لكن، بعد هذه الحادثة، لا نجد أي إشارة أخرى، إلى وجود فترة بين الإيمان والحصول على الروح القدس. الروح القدس يسكن في جميع المؤمنين، وهو يختمهم ليميزهم كمن هم لله (أفسس 1: 13-15).
بمعونة من الرب، سوف نستكمل الحديث عن هذا الموضوع، وسنتكلم عن عدة أمور منها: هل معمودية الروح القدس فعل متكرر أم فعل تاريخي، حدث مرة واحدة؟ هل هذه المعمودية فردية أم جماعية؟ ماذا عن الصلاة لطلب الروح القدس؟ وغيرها من هذه الأسئلة. آمين