رأينا في مقالٍ سابق، كيف كان لأعمال الجسد دور في توجيه اللوم للكنيسة ذات المواهب المتعددة، وانتشار السلوكيات التي ليس لها مكان في الكنيسة التي اقتناها الرب بدمه، مثل الانقسامات، الحسد، الخصومات، التغاضي عن الأخطاء داخل الكنيسة.
الآن نعرض بعض من الصور الأخرى لأعمال الجسد، التي كانت في كنيسة كورنثوس، لعلنا نتحذر منها.
1. المحاكمات عند الظالمين.
(1 كورنثوس 6: 1،2) «أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟».
كان من الطبيعي أن يلجأ اليونانيون للاحتكام أمام القضاء، وأمام المحاكم العامة. إلا أن هذا التصرف يعتبر خروج عن الشريعة الإلهية عند اليهود. كذلك بالأحرى، كيف يمكن أن نرى مثله في كنيسة الله؟ الأخ يقاضي أخيه، بسبب الميراث، أو لأسباب عائلية، أو لغيرها. وربما يكون الخلاف بسبب أمور داخل الكنيسة، فيلجأ أحدهم إلى التفكير الغير مسيحي، فيرغب بأخذ حقه بطرق جسدية، تابعًا لأعمال الجسد التي أفقدته اتزانه الروحي، وأخفت عنه حقيقة قيمته الحقيقية التي في المسيح. لذلك، يستكمل بولس ويقول: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ».
ما رأيك أخي القديس في المسيح؟ لقد أعطاك الرب هذا الامتياز بالاشتراك معه في دينونة ملائكة ساقطين (2 بطرس 2: 4). فهُنا نرى المستوى العجيب الذي للمؤمن في المسيح يسوع. لذلك يقول بولس الرسول هنا: كيف وأنتم في هذه المكانة المميزة، تحاكمون بعضكم بعضًا أمام الظالمين، أو المحاكم العالمية، وأنتم يومًا ما ستقفون لتدينوا ملائكة؟ فلا تنس عزيزي المؤمن قيمتك التي في المسيح يسوع. فإن كنا سندين ملائكة، فكيف لنا أن نفشل في معالجة القضايا الخاصة بنا هُنا بأسلوب مسيحي؟
لذلك، ذهب بولس الرسول في كلامه عن الكنيسة بطلب يمجّد الله في (1 كورنثوس 6: 7) «فَالآنَ فِيكُمْ عَيْبٌ مُطْلَقاً لأَنَّ عِنْدَكُمْ مُحَاكَمَاتٍ بَعْضِكُمْ مَعَ بَعْضٍ. لِمَاذَا لاَ تُظْلَمُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لِمَاذَا لاَ تُسْلَبُونَ بِالْحَرِيِّ؟».
ولقد قال الرب أيضًا: «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضاً» (متى 5: 39،40).
كما نقرأ في (1بطرس 2: 19-21) «لأَنَّ هَذَا فَضْلٌ إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ اللهِ يَحْتَمِلُ أَحْزَاناً مُتَأَلِّماً بِالظُّلْمِ. لأَنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟ بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهَذَا فَضْلٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ.»
من المهم جدًا وجود بعض الإخوة الروحيين ليقضوا بين إخوتهم في بعض مسائل الخلاف (1 كورنثوس 6: 5). لذلك نطلب من الرب وجود مثل هؤلاء القديسين – الذين لربما يكون لديهم أعمال بسيطة في نظر العالم، إلا أنه بالحكمة الإلهية النازلة من فوق – وليس حكمة هذا العالم، يستطيعون الجلوس كقضاة للفصل في بعض مسائل الخلاف بين الإخوة في الكنيسة المحلية.
ألا ترى عزيزي أهمية وجود هؤلاء الأشخاص داخل كل كنيسة محلية؟ بالطبع مثل هؤلاء الأشخاص يحتاجون إلى العيش بتقوى أمام الرب واتضاع وتذلل في حضرته، حاسبين أنفسهم غير مستحقين لهذا الأمر، طالبين من الرب أن يحفظهم هم أنفسهم قبل إخوتهم، ليكونوا بلا لوم.
2. ما يحل وما يوافق (المفهوم الخاطئ للحرية) 1 كورنثوس 6: 12.
«كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ.»
كما أن جسد المؤمن هيكل للروح القدس، كذلك سلوكه يعكس علاقته بالرب، وبالمفهوم المقدس للحرية المسيحية.
وجِدت عبارة «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، مكتوبة تحت تمثال «افروديت» (إلهة الحب والجمال والرغبة والخصوبة) في قلب مدينة كورنثوس. فقد تم استخدام هذه العبارة بشكل خاطئ لفعل الخطية – حتى من قبل المؤمنين في كورنثوس. لكن من المهم أن نعرف أن كلمة «توافق» في أصل اللغة اليونانية تعني «نافع»، لذلك على المؤمن أن يسأل نفسه، هل ما أفعله هو نافع؟
لقد كانت الثقافة اليونانية في مدينة كورنثوس تبيح العلاقات الغير مقدسة مع غير الزوجات. حتى المجتمع الديني وقتها كان لا يرى أن هناك خطأ في مثل هذه الأمور. وبكل أسف، حتى بعد قبول الأشخاص للخلاص، ظلت بعض السلوكيات مسيطرة عليهم مثل الأطعمة والسلوكيات غير المقدسة.
لذلك بدأ الرسول بولس يضع أمام أعينهم، وأعيننا نحن أيضًا اليوم، مفهوم الحرية المسيحية. فقد يوجد شيء غير مُحرَّم، يحرم إذا كان فيه ضرر (رومية 14: 21). من الصعب القول إنه في بعض الأحيان يصعب التمييز بين المؤمن وغير المؤمن في المظهر والعادات والكلمات والعلاقات، إن هذا الأمر لا يليق بالمرة.
فالحرية المسيحية بها قيود (غلاطية 5: 13) «فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً.»
نرى هُنا السبب الرئيسي للسلوك المسيحي هو المحبة. هناك مقولة لأحد رجال الله تقول: «إن عبيد المحبة هم الاحرار الحقيقيون». فهل هذه القيود هي ضوابط أم قمع وتحكم؟ إنها ضوابط نابعة من محبة الله وقداسته ورغبته في نمونا. ويا للعجب، عندما ندرك بالروح القدس أن الحرية الحقيقية التي يجب أن يتحلى بها المؤمن هي الطاعة للقيود – التي هي الوصايا الإلهية الصحيحة. عندها فقط سيدرك ما الذي يحل وما الذي يوافق.
وللحديث بقية بنعمة الله.